by Wassafate
0 comments
بارميزان

يُعد الجبن من الأطعمة المحبوبة في كثير من المطابخ، سواء في فرنسا أو إيطاليا أو باقي دول العالم. فهناك أجبان طرية، وأجبان زرقاء، وأجبان طازجة، وأجبان صلبة ومعتّقة. لكن من الناحية الغذائية، ليست كل أنواع الجبن متشابهة. بعضها قد يكون ثقيلًا على المعدة، وبعضها يحتوي على كمية أكبر من اللاكتوز، وبعضها الآخر يكون أكثر تركيزًا في الكالسيوم والبروتينات والعناصر المفيدة.

من بين الأجبان التي تحظى باهتمام خاص، يبرز جبن البارميزان، أو ما يُعرف في إيطاليا باسم Parmigiano Reggiano AOP. هذا الجبن الإيطالي الشهير يُصنع بطريقة تقليدية في منطقة بارما، ويُترك ليتعتق لفترة طويلة قد تمتد من 12 إلى 36 شهرًا. هذه المدة الطويلة لا تمنحه فقط مذاقه القوي وقوامه الحبيبي المعروف، بل تؤثر أيضًا في قيمته الغذائية وسهولة هضمه.

بعد سن الخمسين، تبدأ بعض الأسئلة الصحية في الظهور بشكل أكبر: كيف نحافظ على العظام؟ كيف ندعم المفاصل؟ كيف نقلل من تيبس الركبتين؟ وكيف نختار أطعمة لذيذة ولكن لا تثقل الهضم؟ في هذا السياق، يمكن أن يكون البارميزان خيارًا مثيرًا للاهتمام، بشرط تناوله باعتدال وضمن نظام غذائي متوازن.

جبن معتّق وطبيعيًا قليل جدًا في اللاكتوز

أحد أهم ما يميز البارميزان هو طول فترة التعتيق. فعلى عكس الأجبان الطازجة أو الصغيرة في العمر، يمر البارميزان بمرحلة نضج طويلة. خلال هذه الفترة، تقوم البكتيريا النافعة بتحويل اللاكتوز، وهو السكر الطبيعي الموجود في الحليب.

لهذا السبب، يُعتبر البارميزان الطبيعي المعتّق خالياً تقريبًا من اللاكتوز. وهذا يجعله أكثر قابلية للهضم عند بعض الأشخاص الذين يعانون من حساسية أو عدم تحمل اللاكتوز. فبينما قد تسبب بعض منتجات الحليب الطازجة الانتفاخ، الغازات أو الثقل بعد الأكل، قد يكون البارميزان أسهل على المعدة لدى فئة من الناس.

لكن يجب الانتباه إلى نقطة مهمة: عدم تحمل اللاكتوز لا يعني أن كل الأجبان ممنوعة. كثير من الأجبان المعتّقة تحتوي على كمية قليلة جدًا من اللاكتوز. كما أن سهولة الهضم تختلف من شخص إلى آخر. بعض الأشخاص قد يزعجهم الدسم أو الملح في الجبن وليس اللاكتوز فقط. لذلك، يبقى الاعتدال والملاحظة الشخصية مهمين.

لماذا يهم البارميزان بعد سن الخمسين؟

مع التقدم في العمر، يصبح الحفاظ على العظام والعضلات والمفاصل أمرًا أساسيًا. بعد سن الخمسين، قد تبدأ الكتلة العضلية في الانخفاض تدريجيًا، وقد تزداد هشاشة العظام عند بعض الأشخاص، خصوصًا النساء بعد انقطاع الطمث. كما قد تصبح المفاصل، وخاصة الركبتان، أكثر عرضة للتيبس أو الألم نتيجة تآكل الغضروف أو ضعف العضلات أو زيادة الوزن.

من الناحية الغذائية، يحتوي البارميزان على عناصر مهمة في هذه المرحلة العمرية. فهو غني جدًا بـ الكالسيوم، وهو معدن ضروري لصحة العظام والأسنان، كما يدخل في عمل العضلات والأعصاب. قد يحتوي البارميزان على حوالي 1150 ملغ من الكالسيوم لكل 100 غرام، وهي كمية مرتفعة مقارنة بالكثير من الأجبان الأخرى.

بالطبع، لا يعني ذلك تناول 100 غرام يوميًا. فهذه كمية كبيرة من الجبن. لكن تناول حصة صغيرة، مثل 20 إلى 30 غرامًا، يمكن أن يضيف كمية جيدة من الكالسيوم إلى النظام الغذائي اليومي.

إلى جانب الكالسيوم، يحتوي البارميزان على بروتينات عالية الجودة. والبروتين مهم جدًا بعد سن الخمسين لأنه يساعد على الحفاظ على الكتلة العضلية. وجود عضلات قوية حول الركبتين والوركين والظهر يساعد على دعم المفاصل وتقليل الضغط عليها. لذلك، لا ترتبط صحة المفاصل بالغضروف فقط، بل أيضًا بقوة العضلات المحيطة بها.

فيتامين K2 ودوره المحتمل في صحة المفاصل

من العناصر التي تجعل البارميزان مثيرًا للاهتمام أيضًا وجود فيتامين K2، المعروف باسم الميناكينون. هذا الفيتامين يوجد في بعض الأطعمة المخمرة والمعتّقة، مثل بعض الأجبان القديمة، وكذلك في أطعمة أخرى مثل الناتو الياباني.

تشير أبحاث منشورة في مجلات علمية مثل Nutrients إلى أن فيتامين K2 يلعب دورًا في طريقة استخدام الجسم للكالسيوم. فهو يساعد على تنشيط بروتينات معينة، مثل الأوستيوكالسين المرتبط بالعظام، وبروتين آخر يُعرف باسم Matrix Gla Protein، والذي تتم دراسته لدوره في الحد من تراكم الكالسيوم في الأنسجة اللينة.

لماذا هذا مهم للمفاصل؟ لأن بعض مشكلات المفاصل والغضاريف قد ترتبط بعمليات الالتهاب، التآكل، وأحيانًا ترسبات الكالسيوم في أماكن غير مناسبة. من الناحية النظرية، قد يساعد فيتامين K2 الجسم على توجيه الكالسيوم نحو العظام بدلًا من تراكمه في الأنسجة التي لا تحتاج إليه.

لكن من الضروري عدم المبالغة. لا يمكن القول إن البارميزان “يعالج” غضروف الركبة أو يمنع تآكله بشكل مؤكد. الدراسات حول فيتامين K2 واعدة، لكنها لا تعني أن تناول الجبن وحده يحمي من خشونة الركبة أو يعيد بناء الغضروف المتضرر. البارميزان قد يكون جزءًا من نظام غذائي داعم لصحة العظام والمفاصل، لكنه ليس علاجًا طبيًا.

البارميزان والركبتان: دعم غذائي وليس علاجًا

آلام الركبة بعد الخمسين شائعة جدًا. قد تكون بسبب الخشونة، زيادة الوزن، ضعف العضلات، إصابات قديمة أو قلة الحركة. والغضروف الذي يغطي أطراف العظام داخل المفصل قد يصبح أرق وأقل مرونة مع مرور الوقت، ما يؤدي إلى الاحتكاك والتيبس والألم.

في هذه الحالة، يمكن للتغذية أن تلعب دورًا مساعدًا. النظام الغذائي المتوازن قد يساعد على تقليل الالتهاب، دعم العضلات، الحفاظ على وزن صحي وتوفير المعادن والفيتامينات الضرورية للعظام. ومن هنا يأتي دور البارميزان باعتباره مصدرًا للكالسيوم، البروتين، وفيتامين K2.

لكن صحة المفاصل لا تعتمد على نوع واحد من الطعام. فهي تحتاج إلى مجموعة من العادات، مثل:

  • ممارسة المشي أو تمارين خفيفة بانتظام؛
  • تقوية عضلات الفخذين والساقين؛
  • الحفاظ على وزن مناسب؛
  • تناول الخضروات والفواكه الغنية بمضادات الأكسدة؛
  • الحصول على أوميغا 3 من السمك الدهني أو المكسرات أو بعض الزيوت؛
  • تقليل الأطعمة المصنعة والسكريات الزائدة؛
  • النوم الجيد وشرب الماء بكميات مناسبة.

لذلك، يمكن اعتبار البارميزان إضافة مفيدة، لكنه ليس حلًا منفردًا لمشكلة المفاصل.

الكمية المناسبة: من 20 إلى 30 غرامًا

رغم فوائده، يبقى البارميزان غذاءً مركزًا. فهو غني بالمغذيات، لكنه يحتوي أيضًا على الملح والدهون. لذلك، الأفضل تناوله بكميات معتدلة.

الحصة المناسبة غالبًا هي بين 20 و30 غرامًا. هذه الكمية كافية لإضافة نكهة قوية ومميزة إلى الطعام دون الإفراط في السعرات أو الملح.

يمكن استخدامه بطرق متعددة، مثل:

  • رشه على السلطة على شكل رقائق رقيقة؛
  • إضافته إلى المعكرونة بكميات معتدلة؛
  • وضعه فوق الخضروات المشوية؛
  • استخدامه في الشوربات لإضافة نكهة؛
  • تناوله كقطعة صغيرة مع الفواكه؛
  • إضافته إلى أطباق الحبوب الكاملة أو الغراتان.

الميزة الجميلة في البارميزان أنه قوي النكهة، لذلك لا تحتاج إلى كمية كبيرة منه. كمية صغيرة يمكن أن تمنح الطبق طعمًا غنيًا ومشبعًا.

كيف نأكله بطريقة صحية؟

للاستفادة من البارميزان بشكل أفضل، من الأفضل عدم تناوله وحده بكميات كبيرة، بل دمجه مع أطعمة غنية بالألياف ومضادات الأكسدة.

مثلًا، يمكن وضع رقائق قليلة منه فوق سلطة تحتوي على الجرجير، الطماطم، الجوز وزيت الزيتون. هذا النوع من الأطباق يجمع بين الكالسيوم والبروتين من الجبن، والألياف والفيتامينات من الخضار، والدهون الجيدة من زيت الزيتون والمكسرات.

كما يمكن إضافته إلى الخضروات المشوية مثل الكوسا، الباذنجان، الجزر أو البروكلي. وعند إضافته في نهاية الطهي، يحافظ على نكهته ويمنح الطبق طعمًا مميزًا دون الحاجة إلى الكثير من الملح.

الأفضل التعامل مع البارميزان كـ “محسن نكهة” طبيعي، وليس كمكون رئيسي بكميات كبيرة. بهذه الطريقة، تستفيد من طعمه وقيمته الغذائية دون إفراط.

احتياطات مهمة

البارميزان غذاء مفيد، لكنه لا يناسب الجميع بنفس الطريقة. الأشخاص الذين يعانون من ارتفاع ضغط الدم أو أمراض الكلى أو يحتاجون إلى تقليل الملح يجب أن يكونوا حذرين، لأن الجبن المعتّق عادة يحتوي على كمية معتبرة من الصوديوم.

كذلك، الأشخاص الذين لديهم حساسية من بروتينات الحليب يجب أن يتجنبوه تمامًا. فحتى لو كان البارميزان خاليًا تقريبًا من اللاكتوز، فهو لا يزال يحتوي على بروتينات الحليب. عدم تحمل اللاكتوز شيء، وحساسية الحليب شيء آخر.

أما الأشخاص الذين يتناولون أدوية مضادة للتخثر من نوع مضادات فيتامين K، فمن الأفضل أن يستشيروا الطبيب قبل تغيير كمية الأطعمة الغنية بفيتامين K في نظامهم الغذائي. الكمية الموجودة في الجبن ليست بالضرورة كبيرة مثل بعض الأطعمة الأخرى، لكن الاستشارة الطبية تبقى ضرورية عند وجود علاج حساس.

كيف نختار بارميزان جيدًا؟

للحصول على الجودة الأصلية، ابحث عن اسم Parmigiano Reggiano AOP. هذه التسمية تضمن أن الجبن صُنع وفق قواعد محددة وفي منطقة جغرافية معروفة في إيطاليا. يمكن العثور عليه في محلات الأجبان، السوبرماركت الكبرى أو المتاجر الإيطالية المتخصصة.

يفضل شراء قطعة كاملة بدل الجبن المبشور مسبقًا. فالقطعة الكاملة تحتفظ بالنكهة والقوام لفترة أطول. أما الجبن المبشور فقد يفقد جزءًا من رائحته ونكهته بسرعة، وقد يحتوي في بعض المنتجات على مواد تمنع التكتل.

يمكن حفظه في الثلاجة داخل ورق خاص بالجبن أو في علبة محكمة، مع تجنب تعريضه للرطوبة الزائدة.

الخلاصة

جبن البارميزان ليس مجرد إضافة لذيذة فوق المعكرونة. بفضل تعتيقه الطويل، يصبح فقيرًا جدًا باللاكتوز، وغنيًا بالكالسيوم والبروتين وبعض أشكال فيتامين K2. هذه العناصر تجعله غذاءً مثيرًا للاهتمام بعد سن الخمسين، خصوصًا لدعم العظام والعضلات والمفاصل ضمن نمط حياة صحي.

لكن يجب التعامل مع فوائده بواقعية. البارميزان لا يعالج خشونة الركبة، ولا يعيد بناء الغضروف، ولا يغني عن الحركة أو العلاج الطبي عند الحاجة. إنما يمكن أن يكون جزءًا من نظام غذائي متوازن يساعد الجسم على الحصول على عناصر مهمة لصحة العظام والمفاصل.

أفضل طريقة للاستفادة منه هي تناوله باعتدال، حوالي 20 إلى 30 غرامًا، مع الخضروات، زيت الزيتون، المكسرات أو الحبوب الكاملة. بهذه الطريقة، يجمع بين المتعة الغذائية والقيمة الصحية دون إفراط.

You may also like