شبكات التواصل الاجتماعي: هل تسبب الاكتئاب عند المراهقين؟

التواصل الاجتماعي عند المراهقين

غالبًا ما نسمع عبارة «أنا مكتئب، أنا محبط» بين شريحة واسعة من المراهقين، الذين إذا ما نظرنا في محيطهم الخارجي، يبدو أن ليس هناك أسباب تجعلهم يشعرون بالاحباط أو الاكتئاب، بل على العكس فإن لديهم الكثير من وسائل الترفيه، التي من المفترض أن تبعد عنهم شبح الاكتئاب أو الاحباط. 
إذا ما استثنينا الأسباب التي تجعل المراهق على المستوى النفسي والعاطفي والجسدي يمرّ بما يعرف بأزمة المراهقة، وهي طبيعية، وسببها التغييرات الفيزيولوجية السريعة التي يتعرض لها المراهق ذكرًا كان أم أنثى، والتي تجعله عرضة للشعور بالاحباط أو الاكتئاب، فهو شعور عابر لا يدوم طويلاً، إذا ما عرف الأهل كيف يساعدونه على التخلص منه.

ولكن في عصر التكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي، ظهر عامل جديد يسبّب الاكتئاب عند شريحة واسعة لا بأس بها بين المراهقين. فالاستعمال المكثف لشبكات التواصل الاجتماعي يسبب التوتّر بنسبة عالية. 

هذا ما أشارت إليه دراسة نشرها معهد الصحة العقلية الجامعي في مونتريال في كندا قبل حوالى ثلاث سنوات، فقد قام الباحثون فيها بقياس مستوى الكورتيزول والمعروف بـ«هورمون الإجهاد» في الدم، أربع مرات لمدة ثلاثة أيام متتالية، لدى 88 مشاركًا تتراوح أعمارهم بين 12 و 17 عاماً. 

وقد أثبت الباحثون الذين نُشرت نتائج أبحاثهم في مجلة Psychoneuroendocrinology أن وجود أكثر من 300 صديق على صفحة «الفايسبوك» للمشترك الواحد يرتبط بمستويات كورتيزول مرتفعة. 

فكان هذا مؤشّرًا إلى أن الاستعمال المكثف للشبكة الاجتماعية من شأنه إحداث مزيد من التوتر، وأوصوا بتفادي الاستعمال المكثف لمواقع التواصل الاجتماعي
ولكن في الوقت نفسه، لم يخفِ الباحثون القيود المفروضة على دراستهم، فقد رأوا أن دراستهم شملت عيّنة صغيرة نوعًا ما، ولم تمدّد في الوقت. فمن المستحيل على سبيل المثال معرفة ما إذا كان الشخص نفسه قد ارتفع لديه معدل الكوتيزول في البداية بسبب استعمال الشبكة العنكبوتية. 

الاكتئاب قد يظهر في وقت لاحق

وفي المقابل، أكّدت المسؤولة عن البحث الذي أُجري في معهد الصحة العقلية الجامعي في كندا، رغم أن هناك عوامل خارجية أخرى مهمة هي مسؤولة أيضًا عن مستويات الكورتيزول، فإن «الفايسبوك» قد يكون له تأثير خاص في زيادة مستوى الكورتيزول. 
فقد أثبتت هذه الدراسة ارتفاع مستوى الكورتيزول لدى مراهق واحد تجاوز عدد أصدقائه على صفحة «الفايسبوك» الـ 300، وبالتالي يمكن تصور أن من لديه 1000 أو 2000 صديق قد يكون عرضة للمزيد من الضغط. 
كما شملت الدراسة مراهقين لمعرفة وتيرة استعمالهم «الفايسبوك»، وعدد الأصدقاء، وسلوكهم، وسلوك دعم أصدقائهم على صفحة «الفايسبوك». 
ووجد الباحثون أن ارتفاع منسوب التوتر لديهم متفاوت: فالمراهقون الذين أظهروا مزيدًا من التفاعل مع أقرانهم على «الفايسبوك» لديهم مستويات أقل من هورمون الكورتيزول. ولكن يؤكد الباحثون أيضًا أن مستويات الكورتيزول في مرحلة المراهقة قد تؤثر في ظهور الاكتئاب بعد سنوات.

ولكن لماذا قد تسبب مواقع التواصل شعورًا بالتوتر والاحباط عند المراهق؟ 

مما لا شك فيه أن الشبكات الاجتماعية تؤثر في الشعور بالتوتر عند المراهق، لأنه في مرحلة حيث الصداقة لها أهمية كبيرة. فضلاً عن أنه يكون قلقًا جدًا حول صورته التي يعرضها على صفحته، والعلاقات التي ينسجها في العالم الافتراضي. 
ويشعر بالتوتر والخوف إذا رأى أن لديه عددًا قليلاً من الأصدقاء على شبكة الانترنت، في حين أن الآخرين لديهم عدد كبير، فهذا يعني أنه أقل شعبية من غيره، في الوقت الذي عليه أن يدرك أن عدد الأصدقاء على شبكة الإنترنت ليس مؤشرًا على شعبيته وعلاقاته الاجتماعية الواقعية، فهناك فارق بين الأصدقاء الافتراضيين والأصدقاء الواقعيين.

الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال ماذا تقول؟ 

وفي مقابل الدراسة الكندية، ظهرت لاحقًا دراسة أجرتها الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال AAP أشارت كما الكندية إلى أن منصّات مواقع التواصل الاجتماعي الافتراضي يمكن أن تكون سببًا للاكتئاب بين المراهقين وتسرّع وتيرته لديهم، ولا سيما «الفايسبوك». 
ويشير الأطباء إلى الجانب السلبي في الغوص في الحياة الافتراضية عند المراهقين، مثل توقف النشاط البدني أو الشعور بالغيرة خلال قراءة بروفايل أو تعليقات مختلفة. فيظن أن الآخرين أفضل منه. 

الفايسبوك وتناقضاته

تشير دراسة من جامعة أدنبره الى أنه كلما كان لدى المراهق أصدقاء على صفحته، كان أكثر عرضة للقلق! فـ «الفايسبوك» عالم من التناقضات. 
فهو من جهة لديه شعبية قويّة بين فئات المراهقين، ومن جهة أخرى، الذين يستعملونه بشكل متواصل يصبحون أكثر عرضة للاكتئاب. فهم يعيشون القلق نفسه الذي يعيشه اللاعبون الذين يخشون توقف المباراة عندما يقتربون من الفوز. ففي الدراسة التي أُجريت في جامعة أدنبره، اعترف 10% من الذين شملهم الاستطلاع بأنهم يشعرون بالتوتر أثناء جلوسهم إلى «الفايسبوك»، فيما 3 من 10 يشعرون بالذنب عندما يرفضون طلب صداقة، و 12٪ يكرهون تلقي طلب، و 63٪ يتأخرون في الاجابة عن طلب الصداقة. 

ومن الصعب إلقاء اللوم على شبكات التواصل الاجتماعي بأنها تسبب الاكتئاب لدى المراهقين، ولكن من الواضح أنه في بعض الحالات المنفصلة، يمكن هذه المنصات أن تولد شعورًا بعدم الارتياح، أو توترًا يصعب التحكّم فيه. 

وفي المقابل، يرفض باحثون آخرون اتهام شبكات التواصل الاجتماعي بأنها تسبب الاكتئاب، وهم يعتقدون العكس بأنه قد يكون لها خصائص مفيدة عند بعض المراهقين، ولا سيما أولئك الذي لديهم شخصية خجولة جدًا. وبفضلها يمكن عبور فترة مراهقة أقل عزلة على «الفايسبوك»، شرط الجلوس إليه بشكل معتدل. 

ومنذ آذار/مارس 2011، حذّر الأطباء النفسانيون من استعمال المراهقين المكثف للشبكات الاجتماعية في «دورية طب الأطفال الأميركية». ودعوا إلى إنشاء نظام للوقاية من أشكال الاكتئاب مرتبط بالوقت الذي يمضيه المراهق في استعمال الانترنت. 
فيما أظهرت عام 2013 دراسة أخرى من جامعة هيوستن، في الولايات المتحدة، أن الاستخدام المكثف لـ «الفايسبوك» يمكن أن يؤدي إلى الاكتئاب…

الإنترنت، مضخّم

ويبقى السؤال: ما هو تأثير الفايسبوك، تويتر، سناب شات وإنستغرام ويوتيوب في المراهقين، واستعمالها المكثف والمستمر هل هو خطير؟

يرى اختصاصيون في الطب النفسي وخبراء في العالم الرقمي أن «الفايسبوك» وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي يمكن أن يسبّب الاكتئاب، وخاصة بين المراهقين، لأنه يلعب دورَ مضخمٍ للصورة، فعند مشاهدة المراهق صور أصدقائه التي تبدو مثالية إلى أقصى الحدود، يشعر بالنقص وبأنه وحيد، وأنه ليس على ما يرام، أو أنها ليست جميلة. إذ كيف يُعقل أن يظهر كل هؤلاء الأصدقاء الافتراضيين سعداء ويتمتعون بحياتهم وهو لا! وكيف يحصل زيدٌ على هذا الكم من التعليقات والـ LIKE وهو لا! 
فـ«الفايسبوك» قد يكون مضخمًا للصورة إما للأفضل أو للأسوأ، فهو يسمح للخجول بالتعبير عن نفسه، ولكن في الوقت نفسه قد يشعر بالاكتئاب إذا لم يتلقّ تعليقًا أو تفاعلاً مع ما نشره.

لماذا هذه الحاجة إلى الاعتراف؟ 

لأنه من خلال عيون أقرانه يبني المراهق هوّيته ويصقلها وليس من خلال أهله، فهو يحتاج إلى الآخرين خارج إطار العائلة ليشعر بأنه موجود في هذا المجتمع وأنه على قيد الحياة.

الاستعمال المفرط هل هو إدمان

الاستعمال المفرط لشبكة التواصل الاجتماعي لا يعني بالضرورة إدمانًا، ولكن هذا السلوك قد يخفي الشعور بالقلق والاكتئاب والاضطرابات، خصوصًا بين الناس المعرّضين لهذا النوع من المشاعر السلبية. لذا فإن «الفايسبوك» لا يسبّب وحده الاكتئاب، بل هناك عوامل أخرى! الشبكات الاجتماعية هي أدوات عظيمة، إذا ما أُحسن استعمالها، فهي تجمع بين الناس، وتكوّن صداقات مع الناس الذين لديهم مصالح مماثلة. 
وفي المقابل، يحذّر من الأداء المدرسي المتراجع، وقلة النوم، والتحرش والتنمّر الإلكتروني، والدخول إلى مواقع إباحية أو أيديولوجية.

تزايد القلق بسبب الأخبار والأحداث الأليمة التي تحدث في العالم

بفضل شبكة الإنترنت، أصبح لدى المراهقين علم بكل ما يحدث في العالم. البطالة الجماعية والحروب والهجمات الإرهابية والأزمات الاقتصادية والاجتماعية… هي قضايا مقلقة تجعل المراهق يكتشف أن العالم ليس ورديًا، وأنه لا يستطيع تغييره، وبالتالي قد يؤثر هذا الكم من المعلومات التي في غالبها سلبية، في حماسته ونظرته إلى المستقبل، ولا سيّما إذا كان في بداية مرحلة المراهقة، أي في سن الحادية عشرة، فهو لا يستطيع استيعاب ما يحدث من قهر وظلم في العالم، ويشعر بالقلق لأنه سيكون عرضة كغيره للأحداث المأسوية.
 
وهنا دور الأهل في التحدث إليه، والتأكيد أن ما يحدث في العالم ليس جديدًا على المستوى الإنساني، والدليل ما يقرأ في صفحات التاريخ، فهنا دائمًا فسحة أمل. 
ومنع المراهق من استعمال «الفايسبوك» أو أي صفحة من شبكات التواصل الاجتماعي ليس حلاً لتجنيبه الإحباط، وإنما الحل يكون في تقليص مدة الجلوس إليه. 

وصحيح أنه لا يمكن التحكّم في هذا الأمر مع التطور السريع للتكنولوجيا بحيث صارت تجتاح كل تفاصيل حياة المراهق، بدءًا من شاشة التلفزيون والكمبيوتر الموجود في البيت والآيباد وصولاً إلى الهاتف الجوّال الذي يرافقه أينما ذهب. هنا دور الأهل في إيجاد بدائل أخرى له، مثل تشجيعه على النشاطات الفنية كالعزف الموسيقي أو ممارسة الرياضة، والانتساب إلى نادٍ رياضي تابع للمدرسة أو من خارجها.