المراهق وأهله: بين الحوار و«حديث الطُرْشان»

يبدو الحوار بين المراهق وأهله أحيانًا، حوار «طرشان». فالأول يتوق إلى الاستقلالية ويسعى بلا هوادة إلى الإعلان عنها، فيما الأهل يريدون الاحتفاظ بسلطتهم المطلقة.وبين التوق إلى الحرية والرغبة في السيطرة، ينشأ الصراع بين المراهق وأهله. ولكن لماذا؟ وكيف يمكن مرحلة المراهقة أن تمر بسلام، من دون خسائر نفسية أو عاطفية؟

بات معلومًا أن هناك صعوبات يواجهها المراهق وأهله على حد سواء عند بدء مرحلة المراهقة. فالأهل يشعرون بأنهم يتعاملون مع شخص غريب، خارج على سلطتهم، يعارضهم، ولا يتقبّل انتقاداتهم أو إدارتهم لحياته، فيما يتعرض هذا المراهق، الغريب على أهله، لتغييرات جذرية، في مظهره ونمط تفكيره، فيشعر بالقلق والتوتر بسبب هذه المرحلة الانتقالية التي إذا ما أحسن الأهل التعامل معها تمرّ بسلام.

فحدوده الداخلية تتداعى، وطالما أن قلقه من العبور إلى سن الرشد لم يهدأ، فإن المراهق يذهب في تصرفاته إلى أبعد الحدود ليجد مكانه. وهنا يكمن الخطر في تدمير ذاته.
المراهق وأهله

وفق اختصاصيي علم نفس المراهق، فإنّ كل شيء في هذه المرحلة يبدو للمراهق متناقضًا، لأنه يريد الاستقلال بينما يخشى المجهول الذي ينتظره. 
يبحث عن حدوده في حين يرفضها ويحاول تخطّيها. والمعارضة التي يعلنها هي آلية تساهم في بناء شخصيته. وعلى الأهل ألا يستسلموا أمام جدار المراهق الخرساني الذي يرطم رأسه به لأنه سوف يتخطاه.

وهناك الكثير من الأهل المعاصرين الذين يشعرون بالفشل في تعاملهم مع أبنائهم المراهقين، فالصعوبات التي يواجهها المراهق سوف تكشف هشاشتهم، وشكوكهم، وتهزّ ثقتهم بأنفسهم. إنهم يخافون منه، ولكن في الغالب يخافون من أنفسهم. 

أمّا المراهق فيفقد ثقته بهم ويعمل على معارضتهم بشكل هجومي، وفي الوقت نفسه يشعر بالذنب لتصرفّه العدواني معهم. وفي رأي الاختصاصيين، إذا أراد الأهل وضع حدود لابنهم المراهق، عليهم التحقّق من تاريخهم الشخصي، ذلك أنه مرتبط ارتباطًا وثيقًا بتاريخ ابنهم، أي أن عليهم تذكّر تاريخ مراهقتهم، وكيف كانوا يرغبون في أن يعاملهم أهلهم.

كيف يجدر بالأهل التعامل مع المراهق؟ مهما يكن فعندما يتحوّل الطفل إلى مراهق، تصبح سيطرة الأهل أصعب وأكثر تعقيدًا. وعليهم تقبّل غضبه وانتقاداته، والتعامل مع رغبته الشديدة في الاستقلالية. وبالرغم من تصرفاته المتناقضة التي تبدو عنيفة أحيانًا تجاه أهله الذين يريدون الاحتفاظ بسلطتهم، فإن كلاً من الطرفين يرغب بشدة في علاقة جيدة مع الطرف الآخر.وهذه نصائح يسديها الاختصاصيون للوصول إلى هدف الأهل المنشود، وهو علاقة وطيدة وجيدة مع أبنائهم المراهقين:

القول للمراهق «لا» باحترام نتحدّث هنا عن رد فعل سلبي من أحد الوالدين على طلب المراهق. على سبيل المثال، رفض الأب شراء هاتف محمول فاخر لابنه، وبدأ الصراع بينهما. 
فالمراهق يعتبر هذا الرفض ظالمًا في حقه فيما يجد الأب أن المسألة مجرد إنفاق على شيء سخيف، ولا مجال للمناقشة أو المساومة. 

المراهق وأهله
هذا المشهد الذي يطغى عليه الشجار الذي لا طائل منه، وتشبث كلٍ طرف بموقفه يمكن أن يتحول إلى نقاش هادئ وموضوعي، إذا عرف الوالد كيف يقول «لا» باحترام. فالمسألة هنا تتعلق أساسًا بتخصيص الوقت الكافي للشرح بلطف للابن المراهق أسباب رفض طلبه. 

حينها سيفهم أن رفض والده لطلبه ليس تعنتًا أو تسلطًا، وإنما جاء بناءً على سبب وجيه ومنطقي. هذا النهج أو الأسلوب في الرفض يجعل المراهق يقبل رفض بعض طلباته، لأنه فهم الأسباب. 
ومن المرجّح أن يتجاهل المراهق التفسير والشرح. ولكن من الضروري أن يذكّر الأهل ابنهم المراهق بأسباب رفضهم طلبه، لأنه سوف يقدّر معاملتهم له باحترام حتى وإن شعر بخيبة أمل، أو غضب من قرار أهله.

اتباع نهج مشترك في التربية من أجل خير المراهق، من المهم أن يتفق الوالدان على قواعد تربية موحّدة، خصوصًا إذا كانت مقاربتهما للتربية مختلفة. 
لذا، ومنذ البداية، على الوالدين التفاوض حول الأسلوب التربوي والتوافق على قواعد موحّدة يفرضانها على المراهق. ومن هذه القواعد: وقت العودة إلى البيت، والأعمال، ومصروف الجيب، الخ… . 
كما ينبغي إشراك المراهق في وضع هذه القوانين المنزلية، على أن تكون مناسبة لسنّه والمواقف المختلفة التي يواجهها. ومن الضروري إعادة التفاوض على القوانين بشكل متكرّر للتأكد من أن الوالدين يفرضان القوانين نفسها، علمًا أنها يجب أن تتغيّر مع الزمن.

الاحترام والتربية للحفاظ على علاقة جيدة مع المراهق، فإن معاملته باحترام مسألة لا يمكن التهاون بها. كثير من الآباء يشتكون من عدم احترام أبنائهم لهم، ولكن السؤال هو: هل يعاملون أبناءهم باحترام! فهناك الكثير من تصرفات الأهل التي تُظهر، وعن غير قصد، عدم احترامهم لأبنائهم: مثلاً عدم الإصغاء لما يقوله الابن، الصراخ في وجهه، عدم الوفاء بالوعود، إهانته بالكلام الجارح، الخ…. . فاحترام الأهل لوجود المراهق وكينونته لا يعني التخلّي عن سلطتهم. 

على العكس من ذلك، فإن ممارسة سلطة معقولة وتعاونية، سوف تؤدي إلى أن يكتسب الأهل احترام أبنائهم، حتى لو كانوا يعطون انطباعًا مغايرًا.

تعليمه إنجاز المهمات بدءًا من حوالى سن الثانية عشرة، معظم المراهقين يكونون ناضجين بما فيه الكفاية لإسناد بعض الأعمال الصغيرة إليهم. وعلى الآباء ألا يتوقّعوا مساعدة تلقائية منهم. لذلك من الضروري أن يأخذ الأهل زمام المبادرة لتعيين بعض المهمات لأبنائهم المراهقين. 

فبهذه الطريقة، ينمو لديهم حس المسؤولية. على أن يطلب الوالدان تنفيذ المهمة نفسها بشكل متكرر وروتيني، وليس من وقت إلى آخر. على سبيل المثال، الطلب من المراهق رمي كيس النفايات كل يوم، وليس من وقت إلى آخر. 

فالمراهقون لديهم قدرة كبيرة على نسيان المهمات الموكلة إليهم. وبالتالي فإنه سوف يكون من الضروري تذكيرهم بها. وهذا التكرار هو جزء من واجب الأهل. لذا عليهم أن يكرروا طلب تنفيذ المهمة على مدار حوالى ثلاثة أسابيع. 

تدريجًا، سوف يتعلم المراهق أن الأعمال ليست مزعجة، ففي نهاية المطاف، سوف يكتشف أن العمل الذي أنجزه بصورة جيدة يصبّ في مصلحته، وبالتالي يعتاد على فكرة أن إنجاز عمل ما سيعود عليه وعلى المحيطين به بالفائدة.

تجنب الوعظ المفرط عندما يبالغ الأهل في وعظ ابنهم المراهق، سوف يجعل هذا الأخير ينفر منهم. ولكن في بعض الأحيان يجد الأهل أنفسهم مضطرين لتوبيخه إذا أقدم على عمل سيء. 
عندما يكون هذا هو الحال، عليهم التعبير عن وجهات نظرهم ومخاوفهم باحترام، وأن يضعوا في الاعتبار أن من الطبيعي أن يرغب المراهق في تجربة أمور غريبة وربما خطرة. وأيضًا، على الوالدين تجنب الحديث عن مراهقتهم، فبالنسبة إلى المراهق حين كان والداه مراهقَين، كانا في عصر مختلف كليًا عن عصرنا الحالي.

كيف يدير الأهل الصراعات مع أبنائهم المراهقين؟

اختيار الوقت والسبب المناسبين للنقاش قبل الشروع في شجار مع المراهق، على الأهل التأكد من وجود سبب وجيه ومنطقي للصراع. إذا كان موضوع النزاع لا يستحق فليغضّوا الطرف. 
على سبيل المثال، إذا كان الأب لا يحب أسلوب ابنه في اللباس، عليه ألا يحاول اختلاق مشكلة بسبب اللباس، بل الاحتفاظ بصدقيته وطاقته لموضوع أهم، مثل الهروب من المدرسة، وتأخر عودته إلى البيت، أو تدخين السجائر. 

فهذه مسائل لا بد من مناقشتها وردع المراهق عنها من خلال إلزامه بالقوانين، وفي الوقت نفسه شرح آثارها السلبية على حياته الشخصية والعملية.

إدارة الاستفزازت يفاجأ معظم الأهل برؤية أبنائهم المراهقين الذي كانوا أطفالاً خاضعين مهذبين ولبقين، يجيبون بوقاحة فظّة. وبالتالي لا يعرفون كيف يتصرفون في هذه المواقف. لذا من المهم أن يكون الأهل معتدلين في رد فعلهم كي يحافظوا على علاقة جيدة مع أبنائهم المراهقين، ويتحلّوا بالصبر والتفهم.
 
وعليهم أن يضعوا في بالهم أن ابنهم المراهق لا يعبّر عن مشاعره كشخص بالغ، وإنما كشخص يعيش شعورًا متناقضًا بين الاستقلالية والتبعية، بين الالتزام بالقوانين ومحاولة اختراقها. 
وإذا قرر الأهل مواجهة استفزاز ابنهم، عليهم التفكير مطوّلاً وأخذ الوقت الكافي ليجدوا طريقتهم الهادئة في التعبير عن انزعاجهم من دون إهانة المراهق وإذلاله أو تجريحه.

منح المراهق مساحة تفكير إذا كان المراهق يعيش فورة غضب، قد يحتاج الى بعض الوقت لأجل التفكير وحده، وإذا انعزل في غرفته لبعض الوقت فهذا ليس بالضرورة تصرفًا سيئًا، وعلى الأهل ألا يشعروا بالإهانة. 
من جهة أخرى، إذا أصرّ الأهل على أن يطلب منهم الاعتذار وهو في فورة غضبه، فإنهم يزيدون الوضع سوءًا. لذا عليهم أن يكونوا متسامحين، وينتظروا الى أن يهدأ ليبدأوا الحوار معه.

الاحتفاظ بالهدوء أن يكون لدى الأهل أبناء مراهقون، فهذا يعني مواجهة أزمات وثورات غضب من وقت إلى آخر. وعندما يرتفع منسوب التوتّر فجأة، لا بد من أن يتصرف الأهل بهدوء ويرجّحوا كفة التحلّي بالصبر، وإلا فموقف الأهل وأسئلتهم الاتهاميّة، ونبرة صوتهم يكون لها تأثير سلبي يجعل المراهق في موقف دفاعي.

وهنا بعض الاقتراحات لمساعدة الأهل على البقاء هادئين أثناء الأزمات:

– أخذ نفس عميق وطويل.

– اتخاذ فترة استراحة قصيرة من النقاش الحاد، والذهاب إلى مكان آخر، الشرفة على سبيل المثال.

– شرب كوب من الماء بتؤدة.

– المشي ببطء في جميع أنحاء الغرفة، مع عدّ الأنفاس.

– ترديد أغنية، بصمت إذا لم يكن وحده.

– تبديد الأفكار بممارسة نشاط ما في البيت.

– التذكر أنه على الرغم من الأزمة، فإنهم يحبون ابنهم وهو بدوره يحبهم.

التحلي بالدبلوماسية غالبًا وخلال الشجار بين المراهق وأهله، يُساء فهم العبارات لأن الجو مشحون بالغضب. نتيجة لذلك، من المفيد أن يتحلّى الأهل بالديبلوماسية في الكلام حتى لا يتفوّهوا بعبارات يأسفون عليها لاحقًا. 

وعلى وجه الخصوص، عليهم توخي الحذر إذا كانوا يحاولون إطلاق دعابات، فقد يتلقاها المراهق على أنها استهزاء به. إذ عندما يكون الوضع متوترًا، فالمُزاح غير المؤذي عادة، يمكن تفسيره بأنه إهانة.

تحقيق التصالح مع مفهوم المراهقة عاجلاً أم آجلاً، وبما أن معظم المراهقين يميلون إلى النزاع مع آبائهم، فمن واجب الأهل تفهمهم والتعامل معهم بحكمة ونضوج للسيطرة على الأمور. 
وعليهم أن يضعوا في بالهم دائمًا أن أبناءهم المراهقين يحبونهم مهما أظهروا رفضهم لهم ومعارضتهم. لذا على الأهل السعي جاهدين ليكوّنوا علاقة وطيدة مع ابنهم المراهق. فهذا سيساعدهم في الأوقات الصعبة. 

وعليهم أن يتذكّروا أن المراهقة هي الممر الإلزامي لمرحلة البلوغ، وستنتهي يومًا ما، ليصبحوا آباء الأبناء الراشدين الذين حافظوا على علاقة جيدة معهم. لذا، من المهم أن يحقق الأهل مصالحة مع أبنائهم المراهقين الذين يريدون منهم أن:

– التوافر عند الحاجة إليهم، لا أن يكونوا مُطبقين على أنفاسهم.

– إظهار الاهتمام، من دون طرح أسئلة محرجة.

– إدراك حساسية أبنائهم المراهقين، من دون إغاظتهم أو السخرية منهم.

– احترام صارم لخصوصيتهم، ولكن في الوقت نفسه ألا يُبدوا عدم اكتراثهم لوجودهم.

– أن يكونوا نموذجًا جيدًا، خصوصًا في الالتزام بما ينصحونهم به.

– السماح لهم بالتعبير عند الحاجة، ولكن من دون تنازل.

– إبداء الملاحظات الجيدة والثناء على سلوكهم الجيد.

– تجنب الغضب.

– تجنب الفرض على المراهق التعرّف إلى أصدقائه.

– أن يتجنب الأهل الحديث عن أيام مراهقتهم، لأن الأمور مختلفة راهنًا.

– الالتزام بوعودهم.

– السعي معهم إلى إيجاد الحلول لمشاكلهم المختلفة.

– إظهار الحب لأبنائهم، حتى لو لم يُظهر هؤلاء المثل، وبدوا غير مبالين.

دراسة علمية تفسّر سبب رد فعل المراهق العنيف على انتقاد أهله؟ 
بحسب دراسة علمية قامت بها جامعات بيترسبورغ، كاليفورنيا – بيركلي، وهارفرد، تبين أن المراهقين عندما لا يهتمون بمشاعر أهلهم، فإنهم لا يفعلون ذلك عن قصد، وإنما يكون الدماغ أثناء النقاش في حالة «توقف» عن التفكير. 

وهذا يبرّر «حوار الطرشان» الذي يدور بين المراهق وأهله. فقد قام الباحثون المشاركون في هذه الدراسة، بمسح ضوئي Scanner لدماغ 32 مراهقًا في سن متوسطة، 14 عامًا، خلال استماعهم الى لوم أمهاتهم عبر كليب مصوّر مدته 30 ثانية، ولاحظوا أن منطقة المشاعر السلبية الموجودة في الدماغ تنشط بشكل ملحوظ أثناء ذلك، فيما المنطقة التي وظيفتها السيطرة على المشاعر الإيجابية أقل نشاطًا. 

وهذا يفسّر لماذا تكون ردود فعل المراهقين أحيانًا عنيفة أو غير ملائمة. كما وجدوا أن المنطقة المسؤولة عن العلاقات الاجتماعية، من بينها تفهّم مشاعر الآخرين تكون متوقفة عن العمل، وهذا ما يجعل المراهقين غير مبالين بمشاعر أهلهم ويصبح رد فعلهم عنيفاً حين ينتقدهم أهلهم. وهذا يفسر لماذا يميل المراهقون إلى الشجار مع أهلهم، كما يشرح الباحثون الذين أجروا هذه الدراسة.