الرئيسية » قصص و عبر » ليس من عدل البشر بل من عدل رب البشر
ليس من عدل البشر بل من عدل رب البشر

ليس من عدل البشر بل من عدل رب البشر

نشأ هذا الشاب في عائلة فقيرة جدا، لا تكاد تحصل على قوتها اليومي إلى بشق الأنفس في حي من أحياء بغداد .

وفي السادسة عشرة من عمره،عمل في قارب من قوارب العبور ملاحا في نهر دجلة ,ومرت عليه ست سنوات في عمله الذي قد يستمر في بعض الأحيان ليلا ونهارا ، لا يعرف للراحة طعما إلا حين يأوي إلى فراشه لينام قليلا ،وكان ما يجمعه يوميا لا يكاد يسد رمق عائلته الكبيرة المؤلفة من أبوين شيخين وخمسة إخوة وست أخوات ،وكان هو بكر والديه .

وذات صباح من أيام الصيف في بغداد،كان على ضفة “دجلة” اليمنى ،جاءته فتاة مع أمها ،يبلغ عمر الفتاة ست عشرة سنة،في غاية الحسن والجمال .

ونقل الأم وابنتها إلى الجانب الأخر ،فتحرك قلبه للفتاة من أول نضرة ولإول مرة في حياته،فلم يبق له الفقر وإعالة أبويه و أشقائه ،حتى ظن أن قلبه أصيب بالشلل المزمن فلا تحركه العواطف بقدر ما يحركه الخبز .

والظاهر أن دقات قلبه حركت لا إراديا دقات قلب الفتاة ،فبادلته النظرات ،فلما وصلت ضفة النهر حيته بابتسامة مشرقة جعلت قلبه ينهار لوعة وحبا،وبمرور الوقت عرف أنها تصاحب أمها صباح يوم الخميس من كل أسبوع ،فأخد ينتظر قدومها وينقلها إلى الجانب الأخر،و ينتظرظعودتها فيعيدها .

وكان الشاب ذا هامة و قامة،مفتول العضلات ،حلو اللفتات ،عذب الابتسامات ،يقطر نخوة و شهامة ،كالأسد في غابته.

وفي كل مرة تمتطي الفتاة و أمها قاربه ذهابا وإيابا،يرفض تقاضي الأجور الزهيدة،فتأبى والدة الفتاة إلا أن تدفع الأجر كاملا،فيسر هذا التنازل والرفض التعارف بين الطرفين وتبادل الكلمات القصيرة ،كالتحية والسوال عن الصحة والعافية .

وهمس مرة في أذن الفتاة ، منتهزا فرصة مغادرة الأم القارب أولا قائلا :أحب أن أتزوجك ،فقالت :أطرق باب والدي ،فتسمع الجواب ، وغادرت.

وبقي الفتى يفكر في أسلوب عرض زواجه بالفتاة على أبويه وفي طريقة اقناعهما ،ومرت اسابيع عدا وهو غارق في التفكير وكان يلاقي فتاته كل خميس .

وهمست في أذنه ذات صباح “طرق باب والدي غيرك” ثم مضت متعثرة الخطوات ،خجلا متلعثمة كأنها اقترفت ذنبا عضيما،وعاد الفتى الى أهله مساء،فأخبر أمه بقصته وفتاته فوعدته أن تحمل له الجواب وشيكا .

وكلمت أمه أباه بالدموع فليس في دارها كساء ولا درهم ولا دينار ،كان قلب الأم والأب مع والديهما ولكن عقليهما كانا بعيدين عنه،كانت لهم أسباب كثيرة تحول بين ولديهما والزواج ،لعل من تلك الأسباب الفقر والفاقة وغياب المال وضيق السكن .

يئست الفتاة من إقدام الفتى على خطبتها ،فقد طال أنتضارها فماذا بعض تنتضر؟

ويئس الفتى من الزواج بالفتاة التي أحبها من كل قلبه،فقد وجد أن أهلها على درجة من الغنى و الثراء ، وهو المعدم الفقير .

و خطب الفتاة أحد الشبان فوافق أهلها وتزوجت ونست الفتى المسكين بعد الزواج لكن قلب الفتى لم ينساها ،وعلم بزواج الفتاة لأنها لم تعد ترافق والدتها يوم الخميس ،ومضى عاماً فقد ضل حزينا كل هذه المدة .

وفي يوم من الأيام حمل في قاربه فتاة وطفلا،وكان الضباب كثيفا والجو غائما وشرع يحرك مجدافيه وابتعد بقاربه حتى أصبح في وسط النهروفجاة رأى الفتاة تحمل طفلها الرضيع فأمعن النضر في وجها طويلا حتى تأكد من أنها هي الفتاة نفسها وكانت هي في شغل عنه بطفلها فناذها وذكرها به.

ولم تكن ناسية فقالت له:لست لك اليوم ،فانا بذمة زوجي،وهذا طفلي .

ولكنه تمادى في غيه وتقمصه الشيطان ورودها عن نفسها فاستعصمت وهددها بإغراق طفلها في النهر وحجمها بخنجره وطعنها بضع طعنات فما ضعفت وجرجرها ليضمها الى صدره فقاومت ولفضت انفاسها الأخيرة وهي تدافع عن شرفها وعرضها فحمل جتتها وقذفها في الماء وغسل قاربه من الدماء وتخلص من أثار الجريمة .

والمجرم لم يصبر على عمله لأنه كان يخيل له كلما مر وسط النهر بأن الطفل الذي أغرقه في اليم يبكي ويستغيت ويسمع صوت أمه تهدد وتتوعد وكأنها في جوار الله تهاجم قاربه ،فكلما أقبل الليل أصبح من المستحيل على الملاح المجرم أن يعبر النهر وقرر أن يهجر القارب ويعمل عملا أخر.

وعمل جزارا،وكالعادة قصد المجزرة في الليل ،وذبح أغنامه قبل الفجر وأوكل نقلها الى حانوته التي يبيع فيها الأغنام المذبوحة إلى شريكه.وفي طريق عودته الى داره سمع صوت صرخة مستغيت فهرول مسرعا باتجاه الصوت المستغيت،وعثر الرجل وهو يهرول بجثة قتيل يلفض أنفاسه الأخيرة ،فتلطخت يداه وثيابه بالدماء وسقطت سكينه من وسطه على صدر القتيل فتلوثت هي ألاخرى.

واصيب ببصدمة عنيفة ولكنه لم يكد يصحو من هول هذه الصدمة الى وأصيب بصدمة أخرى لأنه أحاطت به جماعة من الحرس الليلين المسلحين بالهراوات والمسدسات ،فالقو القبض عليه ،وبدء التحقيق في قضية مقتل الرجل وشهد الحراس بأنهم قبضو عليه وهو على صدر القتيل وأن سكينه التقطت من فوق جثة القتيل فاقتنعت المحكمة بان الجزار هو القاتل فحكم عليه شنقا حتى الموت .

ولم يسمع أحد لإنكاره بانه ليس القاتل،لكنه قال للقضاة بعض صدور الحكم أن اقوالي صادقة وأقوال الشهود كاذبة ولكني استحق الحكم بالاعدام لانني قتلت طفلا رضيعا و أمه قبل سنوات ،ففتشوا عن القاتل الأصلي الذي ارتكب جريمة القتل وأفلت من العقاب .

وجاء وقت تنفيد الحكم وجاء من يضع فوق رأس ووجه المحكوم عليه كيسا أسود ويقوده الى المشنقة .

وصاح المجرم قبيل أن تسحب اللوحة من تحت رجليه :فتشو عن قاتل صاحبكم،فأنا اشنق لقتلي الطفل الرضيع وأمه ،والحكم الذي صدر بحقي

ليس من عدل البشر بل من عدل رب البشر .