الرئيسية » إسلاميات » عشرة النساء
عشرة النساء

عشرة النساء

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبيِّنا محمد وعلى آله وصَحبه أجمعين.

أمَّا بعدُ:

فمستمعيَّ الكرام، السَّلام عليكم ورحمةُ الله وبركاته، وفي ما يلي نتحدَّث – بإذْن الله تعالى – عن أحْكام العشرة بين الزوجين في مسائل مختلفة تردُّ تباعًا، سائلين الله تعالى الفقهَ في الدين وحُسن العاقِبة في الدُّنيا والآخِرة.

المسألة الأولى: المراد بالعشرة بين الزوجين:

“ما يكون بين الزوجين من الأِلفة والانضِمام“؛ إذ إنَّ عقد الزواج رباطٌ وثيقٌ يصلُ بين رجلٍ وامرأةٍ، بل نقولُ إنَّه يصلُ بين قلبين يجتمعان على بساط الزوجيَّة؛ ولذا أولت الشريعة الإسلاميَّة هذه العلاقة بين الزوجين أهميَّة خاصَّة، وشرعت من الأحكام ما يُقوِّي العلاقة بين الزوجين، ويحفَظُ الودَّ بينهما.

والمعاشرة في اللغة: المخالطة، والعشير: القريب، والصديق، وعشير المرأة: زوجها; لأنَّه يُعاشِرُها وتُعاشِرُه.

والمتأمِّل في الأدلَّة الشرعيَّة يتبيَّن له أنَّ الأصل في حال قيام عقد الزوجيَّة وجوب مُعاشَرة كلٍّ من الزوجين لصاحبه بالمعروف، وأنَّ هذا هو القاعدة المستمرَّة، وما عَداه من حالات الشِّقاق والنُّشوز فهو استِثناء.

والمعاشرة بين الزوجين بالمعروف تعني:

المعاشرة بالفضْل والإحسان قولاً وفِعلاً وخلقًا، وقيل: إنَّ المعاشرة بالمعروف هي أنْ يُعامل كلٌّ من الزوجين صاحبَه بما يحبُّ هو أنْ يُعامَل به، وأنْ يرضى به ويقبَله ولا ينكره، وأنْ يُؤدِّي كلُّ واحدٍ منهما ذلك برضا وطَلاقة وَجْهٍ.

المسألة الثانية: أنَّ إحسانَ المعاشرة بين الزَّوجَيْن واجبٌ بدليل الكتاب والسُّنَّة.

فمن القُرآن الكريم: قوله تعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة: 228]، ووجهُ الاستِدلال من هذه الآية: أنَّ الله – سبحانه وتعالى – أخبَرَ أنَّ على الرجال لزوجاتهم من الخلق مثل ما للرجال عليهنَّ – كما قالَه الإمام ابن كثير، رحمه الله تعالى، في تفسيره – وذكَر القرطبيُّ في تفسير الآية: أنَّ لهنَّ من حُسن الصُّحبة والعِشرة بالمعروف على أزواجهنَّ مثلَ ما عليهنَّ من الطاعة فيما أوجَبَه عليهنَّ لأزواجهنَّ.

ومن الأدلَّة أيضًا قولُ الله تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [النساء: 19]، ووجْه الاستِدلال من هذه الآية: أنَّ الله – سبحانه وتعالى – أمَر الأزواج بأنْ يُعاشروا زَوْجاتهم بالمعروف بأنْ يطيبوا أقوالهم ويُحسنوا أفعالهم وهيئاتهم نحوهنَّ بحسَب قُدرتهم، ذكره الإمام ابن كثير – رحمه الله تعالى.

وقال تعالى: ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ ﴾ [النساء: 36]، وقد رُوِيَ عن عليٍّ وابن مسعودٍ – رضي الله عنهما – أنَّ الصاحبَ بالجنب هي المرأة.

ومن السُّنَّة النبويَّة أحاديثُ كثيرةٌ؛ منها: حديث جابر بن عبدالله – رضي الله عنهما – قال: قال رسولُ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – في حجَّة الوداع: ((اتَّقُوا الله في النِّساء فإنَّكم أخَذتموهنَّ بأمانة الله، واستحلَلتُم فروجهنَّ بكلمة الله))؛ أخرجه مسلمٌ في “صحيحه”.

ووجه الاستدلال من هذا الحديث: أنَّ النبيَّ – صلَّى الله عليه – حَثَّ الأزواج على مُراعاة حقِّ زوجاتهم، ومعاشرتهنَّ بالمعروف.

وعن عائشة – رضي الله عنها – قالت: قال رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((خيرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيرُكم لأهلي))؛ أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب صحيح، ووجهُ الاستدلال من هذا الحديث: أنَّ حُسن المعاشرة مع الأهْل من جملة الأشياء المطلوبة في الدِّين، والمتَّصف به من جُملة الخيار من هذه الجهة، ويحتملُ أنَّ المتَّصف به يُوفَّق لسائر الصالحات حتى يصيرَ خيرًا على الإطلاق؛ (السندي على ابن ماجه).

وفي حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أكمَلُ المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخِيارُكم خِيارُكم لنِسائهم خُلُقًا))؛ أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، ووجه الاستدلال من هذا الحديث: أنَّ كمال الإيمان يُوجِبُ حُسن الخلق والإحسان إلى الناس، وخاصَّة حُسن المعاشرة مع النِّساء؛ لأنهنَّ محلُّ الرحمة لضعفهنَّ وحاجتهن إلى العَطف وحُسن الرِّعاية.

وقد روَى الإمام أحمد وغيره أنَّ عمَّة حصين أتَتِ النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – فقال لها: ((أذات زوجٍ أنت؟)) قالت: نعم، قال: ((انظُري أين أنتِ منه; فإنما هو جنَّتك ونارُك))؛ أخرجه الإمام أحمد والبيهقي وغيرهما وصحَّحه الألباني.

وعن أم سلمة – رضي الله عنها – قالت: قال رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أيما امرأةٍ ماتَتْ وزوجُها عنها راضٍ دخَلت الجنَّة))؛ أخرجه الترمذيُّ وقال: حديث حسن غريب.

وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قيل لرسولِ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: أيُّ النساءِ خَيْرٌ؟ قال: ((التي تَسُرُّه إذا نَظَرَ، وتطيعُه إِذا أَمَرَ، ولا تخالِفُه في نفسها، ولا مالها بما يَكرهُ))؛ أخرجه النسائي، (قال الألباني في “السلسلة الصحيحة” 4 /453: رواه النسائي والحاكم وأحمد).

وقال – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إذا صَلَّتِ المرأةُ خمسها، وصامت شهرها، وحصَّنت فَرْجَها، وأطاعت زوجها، قِيل لها: ادخُلي الجنَّة من أيِّ أبواب الجنَّة شِئتِ))؛ أخرجه ابن حبَّان وغيره، وصحَّحه الألباني (انظر حديث رقم: 660 في “صحيح الجامع”).

ففي هذه النُّصوص تأكيدٌ لحقِّ كلِّ واحدٍ من الزوجين على صاحبه، وبَيانٌ للأجر العظيم في ذلك، ولا عجب في ذلك؛ إذ إنَّ استقرار الحياة الزوجيَّة وتحقيق المعاشرة الحسنة بين الزوجين وتحصيل ما في الزواج من المودَّة والسكينة من النِّعَمِ التي تُطلَب فتُشكَر، فهنيئًا لزوجين قامَا بحقِّ الله تعالى بينهما، فأحسَن الزوج معاشرة زوجته بالمعروف وطيَّب معها أفعالَه وأخلاقَه حُبًّا وتقديرًا، وأدَّت الزوجة لزوجها حُقوقَه التي شرعها الله تعالى دُون تأفُّف أو منَّة، ولو استَشعَر الزوجان أنهما بإحسان العشرة بينهما يتعبَّدان لله تعالى بأداء حُقوق عِباده، ويُسهِمان في تحصيل السعادة في حياتهما – لكان ذلك خيرَ حافزٍ لهما على هذا الخُلُقِ النبيل.

نسأل الله تعالى بمنِّه وكرمه أنْ يَرزُقنا السَّعادة في الدُّنيا والآخِرة، ونسأله – جلَّ جلالُه – أنْ يَهَبَ لنا من أزواجنا وذريَّاتنا قُرَّةَ أعيُنٍ، إنَّه سميع مجيب، وإلى لقاءٍ قادمٍ – بإذن الله تعالى – نكمل فيه ما يتعلَّق بالمُعاشَرة بين الزوجين وأهم أحكامها.